وسط ضجيج التقلبات الحادة التي شهدها الذهب والفضة مؤخراً، مر الانهيار الكبير في بتكوين بهدوء نسبي، وكأنه أزمة جانبية، رغم أن ما حدث يستحق الوقوف عنده مطولاً.
فبعد سلسلة خسائر متلاحقة، دخلت العملة المشفرة الأكبر عالمياً في مرحلة يمكن وصفها بـ"الأزمة الوجودية"، بعدما تهاوت الأسعار إلى أدنى مستوياتها منذ فوز دونالد ترمب في انتخابات نوفمبر 2024، وفقاً لما ذكرته "Business Insider"، واطلعت عليه "العربية Business".
الضربة الأحدث جاءت مع إعلان ترشيح كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وارش معروف بتوجهاته المتشددة، خصوصاً فيما يتعلق بحجم ميزانية البنك المركزي، وهذه المقاربة عادة ما تضغط على الأصول عالية المخاطر مثل العملات المشفرة. هذا التطور وحده كان كفيلاً بدفع بتكوين إلى موجة بيع جديدة تسببت في خسائر بنحو 10% من قيمتها خلال أيام قليلة.
لكن هذا كان الفصل الأحدث في القصة، والتي بدأت قبل ذلك بأشهر خسرت فيها العملة المشفرة 30% من قيمتها.
الهبوط الحقيقي — الذي تجاوز 30% — بدأ في الربع الأخير من العام الماضي. فمع تشديد الفيدرالي لهجته تجاه وتيرة خفض الفائدة، بعد سلسلة تيسير نقدي في 2025، بدأ المستثمرون الخروج من الأصول الأكثر مخاطرة، سواء أسهم التكنولوجيا أو العملات المشفرة.
ورغم أن الأسهم الأميركية استعادت عافيتها لاحقاً وسجلت مستويات قياسية جديدة، فإن بتكوين بقيت تتخبط، لتجد نفسها في مسار معاكس تماماً لمسار وول ستريت.
الرياح المعاكسة تخص سوق العملات الرقمية نفسها، أبرزها تأخر تشريعات تنظيمية محورية ينتظرها السوق منذ أشهر.
في قلب هذه الأزمة، تتجه الأنظار إلى الشركات التي بنت نموذج أعمالها على تراكم أكبر كمية ممكنة من بتكوين، وأبرزها شركة "Strategy". ومع كل تراجع في السعر، تتزايد التكهنات بأن هذه المؤسسات قد تجبر على البيع بشكل واسع لتغطية خسائرها أو تلبية التزاماتها.
العين الآن على مستوى 76 ألف دولار، وهو متوسط السعر الذي اشترت "ستراتيجي" به عملاتها، ويقول الخبراء إن أي هبوط دونه يعني أنها تجلس على خسائر دفترية، وهو سيناريو يكفي لإرباك السوق ودفع المستثمرين إلى الحذر.
المحللون لم يقدموا كثيراً من الطمأنة. فجون بلانك، كبير المحللين في "زاكس إنفستمنت ريسيرش"، يرى أن بتكوين قد تتراجع حتى 40 ألف دولار — أي أقل ب45% من مستوياتها الحالية — محذراً من أن "شتاء العملات المشفرة" قد يطول شهوراً.
أما مايكل بيري، المستثمر الشهير وراء قصة “The Big Short”، فلم يتوقع سعراً معيناً، لكنه تحدث عن 3 سيناريوهات مقززة قد تظهر إن واصلت العملة تدهورها، ما زاد من حالة القلق في السوق.
بتكوين اليوم في وضع لا تحسد عليه. فمصير الشركات الكبرى المحتفظة بها، وقدرتها على الصمود تحت مستويات سعرية حرجة، أصبح هاجساً رئيسياً لدى المستثمرين.
حتى ذلك الحين، تبدو سوق العملات المشفرة بيئة جاذبة فقط لمن يبحثون عن اصطياد القيعان. فالحظ قد يبتسم لأصحاب الجرأة لكنك تحتاج إلى جرأة استثنائية للدخول الآن.
تا




